بقلم: وائل راشد
مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي بشركة evest
وجهتان، فلسفتان، اقتصادان مختلفان تمامًا
يرى وائل راشد أنه على بعد نحو 1,200 كيلومتر من بعضهما البعض، تقف مدينتان سعوديتان-خليجيتان في قلب اثنين من أضخم اقتصادات السياحة في العالم. الأولى، مكة المكرمة، تستقبل الملايين لا بحثًا عن المتعة بل عن الفريضة. الثانية، دبي، تستقبل الملايين بحثًا عن الرفاهية والتسوق والمغامرة. كلتاهما تحوّلان “الزائر” إلى محرك اقتصادي ضخم — لكن بمنطقين مختلفين تمامًا. فأيهما يُدرّ أكثر، وأيهما نموذج اقتصادي أذكى للمستقبل؟
مكة: اقتصاد لا يعرف الركود
يشير وائل راشد إلى أن الأرقام هنا مذهلة بمعناها الحرفي. فقد استقبلت السعودية عام 2024 نحو 18.5 مليون حاج ومعتمر، منهم قرابة 17 مليون قادمين لأداء العمرة وحدها — وهو رقم يفوق بالفعل الهدف المرحلي الذي كانت رؤية 2030 قد رسمته لتلك السنة. صناعة الحج والعمرة بأكملها تُقدَّر قيمتها بنحو 184 مليار دولار في 2025، مع توقعات بأن تتضاعف لتلامس 368 مليار دولار بحلول 2035.
ويضيف وائل راشد أن الأهم من الحجم هو طبيعة الطلب: فالعمرة، خلافًا للحج المحصور بموسم واحد، تُمارَس على مدار السنة تقريبًا، ما يمنح الاقتصاد المحلي في مكة والمدينة تدفقًا شبه دائم من العملة الصعبة، بلا “موسمية” تُذكر. متوسط إنفاق الحاج الواحد يتراوح بين 3,500 دولار لأصحاب الباقات الاقتصادية، وقد يتجاوز 100 ألف دولار في باقات الفخامة القصوى — ما يعني أن السوق نفسه يخدم كل الشرائح، من العامل الآسيوي المدّخر لعمره كله، إلى أثرياء الخليج الباحثين عن إطلالة على الكعبة.
ويلفت وائل راشد إلى أن الهدف الرسمي لرؤية 2030 طموح للغاية: الوصول إلى 30 مليون معتمر و6 ملايين حاج سنويًا، إلى جانب استثمارات تفوق 1.6 تريليون ريال (نحو 427 مليار دولار) خلال العقد المقبل لتطوير قطاعي السياحة والحج معًا.
دبي: اقتصاد الرغبة لا الفريضة
يوضح وائل راشد أن دبي تلعب لعبة مختلفة جذريًا. فهي لا تنتظر زائرًا “مضطرًا” للحضور، بل تبني كل عام أسبابًا جديدة تُقنع السائح بالمجيء: من برج خليفة إلى جزر النخيل، ومن أضخم مركز تسوق في العالم إلى فنادق تُصنَّف الأفخم عالميًا. النتيجة: استقبلت الإمارة عام 2025 رقمًا قياسيًا بلغ نحو 19.6 مليون زائر دولي، أسهموا في نشاط اقتصادي بقيمة تقارب 180 مليار درهم (نحو 49 مليار دولار).
ويشير وائل راشد إلى أن السياحة في دبي وحدها تسهم بنحو 12% من الناتج المحلي للإمارة، وتدعم أكثر من 570 ألف وظيفة. أما نسبة الإشغال الفندقي فتجاوزت 82% في 2025، مع متوسط سعر لليلة الفندقية تخطى 200 دولار — أرقام تعكس قدرة تسعيرية قوية ونموذجًا يعتمد بشدة على السائح “المرفَّه” الباحث عن تجربة فريدة، لا فقط عن سرير.
ويضيف وائل راشد أن الطموح المعلن لدبي هو الوصول إلى 25 مليون زائر و250 مليار درهم من المساهمة الاقتصادية بحلول 2030 — نمو يعتمد على استمرار بناء “أسباب الزيارة” الاصطناعية أكثر من اعتماده على أي عامل ديني أو تاريخي ثابت.
مقارنة الأرقام: من يربح أكثر فعليًا؟
بحسب وائل راشد، من حيث الحجم الخام، يبدو قطاع الحج والعمرة أكبر رقميًا (184 مليار دولار مقابل نحو 49-63 مليار دولار لدبي)، لكن هذه المقارنة مضلِّلة جزئيًا: رقم مكة يشمل كامل سلسلة القيمة (طيران، فنادق، نقل داخلي، تجزئة) على مستوى المملكة بأكملها، بينما رقم دبي يقتصر على إمارة واحدة ضمن دولة أصغر بكثير من حيث عدد السكان والمساحة. لو قِسنا العائد “لكل زائر”، تتفوق دبي بوضوح — إذ ينفق الزائر فيها في المتوسط ما بين 1,900 و3,000 دولار تقريبًا خلال إقامته، بفضل التسوق الفاخر والترفيه، مقارنة بمعدل إنفاق أقل تنوعًا في رحلة الحج التقليدية.
أي نموذج أكثر مرونة أمام الصدمات؟
يرى وائل راشد أن هنا يكمن الفارق الاستراتيجي الحقيقي. اقتصاد مكة مبني على طلب “غير مرن” بطبيعته: ملايين المسلمين حول العالم يعتبرون العمرة والحج التزامًا روحيًا لا ترفًا يمكن الاستغناء عنه عند الأزمات الاقتصادية العالمية أو حتى الحروب الإقليمية. هذا يمنح مكة مناعة نسبية أمام التقلبات الجيوسياسية التي تهزّ باقي قطاعات السياحة في المنطقة.
وفي المقابل، يوضح وائل راشد أن سياحة دبي أكثر حساسية للدورات الاقتصادية العالمية، وأسعار الطاقة، وثقة المستثمرين والمسافرين رفيعي الدخل — لكنها بالمقابل أكثر قدرة على “إعادة اختراع نفسها” بسرعة، عبر مشاريع جديدة وفعاليات عالمية وتوسع في أسواق سياحية ناشئة كالهند وروسيا ودول آسيا الوسطى.
الخلاصة: نموذجان مكمّلان لا متنافسان
يخلص وائل راشد إلى أن الحقيقة أن مكة ودبي ليستا في سباق مباشر بقدر ما تمثلان طرفي نقيض في التفكير الخليجي حول “اقتصاد الزائر”: الأولى تحوّل الإيمان إلى استقرار اقتصادي طويل الأمد، والثانية تحوّل الرغبة إلى نمو متسارع لكنه أكثر تقلبًا. والسؤال الحقيقي الذي يستحق متابعة صحفية أعمق هو: هل تستطيع السعودية الجمع بين النموذجين — عبر مشاريع مثل نيوم والبحر الأحمر — لبناء اقتصاد سياحي يجمع مناعة مكة بجاذبية دبي؟
مصادر البيانات: Future Market Insights، Vision2030.ai، Gulf News، Dubai Department of Economy and Tourism، MICE Travel Advisor، The Middle East Insider (بيانات محدّثة حتى منتصف 2026).







