الخليج في 2026: الطريق قبل السعر

الخليج في 2026: الطريق قبل السعر

كيف أعادت أزمة هرمز تسعير البرميل الخليجي، ولماذا لن يكون تعافي 2027 متساويًا

بقلم: وائل راشد
مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي باسم شركة Evest

في العاشر من سبتمبر، توقف خط أنابيب شرق–غرب السعودي إثر هجمات استهدفته. هذا الخط هو الشريان الرئيسي الذي حمل صادرات المملكة بعيدًا عن مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير. وفي 22 سبتمبر، أفادت مصادر لوكالة رويترز بإعادة تشغيله واستئناف التصدير من ينبع بأحجام أقل.

ويرى وائل راشد أن هذه الحادثة تلخّص الدرس الاقتصادي الأهم لعام 2026 في الخليج. فالقيمة الفعلية لبرميل النفط لم تعد تُقاس بسعره على الشاشات، بل بقدرته على الوصول إلى المشتري.

سعر مرتفع وإيرادات مقيّدة

ويشير وائل راشد إلى أن الأسواق اعتادت لعقود على معادلة شبه ثابتة: ارتفاع النفط يعني فوائض في الموازنات الخليجية. لكن هذه المعادلة انكسرت هذا العام.

بلغ متوسط سعر خام برنت 91 دولارًا للبرميل في أغسطس. في الشهر نفسه، بقي أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الخليج متوقفًا بسبب المخاطر الأمنية، وفق وكالة الطاقة الدولية.

للمقارنة، مرّ عبر مضيق هرمز في 2025 نحو 15 مليون برميل يوميًا من النفط الخام، أي قرابة ثلث تجارة الخام العالمية. حين يتعطل ممر بهذا الحجم، لا يعوّض ارتفاع السعر ما يُفقد من الكميات.

الجغرافيا تعيد ترتيب الاقتصادات

ويشير وائل راشد إلى أن الأزمة كشفت تفاوتًا حادًا بين دول الخليج. هذا التفاوت لا يعود إلى حجم الاحتياطيات أو كفاءة الإنتاج، بل إلى البنية التحتية للتصدير.

السعودية والإمارات وحدهما تملكان منافذ بديلة:

  • السعودية: رفعت أرامكو طاقة خط شرق–غرب إلى 7 ملايين برميل يوميًا نحو البحر الأحمر.
  • الإمارات: يستوعب خط حبشان–الفجيرة ما يقارب 1.8 مليون برميل يوميًا.

في المقابل، تعتمد الكويت وقطر والبحرين والعراق على المضيق في الغالبية العظمى من صادراتها.

انعكس ذلك مباشرة على توقعات صندوق النقد الدولي في أبريل:

  • قطر: انكماش بنسبة 8.6%.
  • العراق: انكماش بنسبة 6.8%.
  • السعودية والإمارات وعُمان: نمو يتجاوز 3%.

وفي تحديث يوليو، أبقى الصندوق العراق والكويت وقطر في دائرة الانكماش الحاد لهذا العام، مع توقع قفزات نمو بخانتين عشريتين في 2027.

البديل ليس محصّنًا

ويلفت وائل راشد إلى أن حادثة سبتمبر أثبتت أن المسار البديل يخفف المخاطر لكنه لا يلغيها. بعد توقف الخط، أظهرت بيانات الأقمار الصناعية التي نقلتها بلومبرغ ارتفاعًا حادًا في تحميلات النفط السعودي من داخل الخليج. أي أن جزءًا من الصادرات عاد إلى هرمز نفسه.

ويضيف وائل راشد أن التصدير عبر البحر الأحمر يبقى مكشوفًا على مضيق باب المندب، ما يعني أن الجغرافيا لا تمنح أي منتج خليجي منفذًا آمنًا بالكامل.

عقيدتان نفطيتان داخل البيت الخليجي

في الأول من مايو، خرجت الإمارات رسميًا من أوبك وأوبك+ بعد نحو ستة عقود من العضوية. يرى محللون في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية أن القرار يعكس تباينًا بين عقيدتين:

  • الرياض تعطي الأولوية لاستقرار الأسعار ورفعها لتمويل رؤية 2030.
  • أبوظبي تبدو مستعدة لتقبّل أسعار أدنى مقابل حصة سوقية أكبر في أسواق الطاقة المستقبلية.

وتعمل الإمارات على ترجمة هذا التوجه إلى بنية تحتية. فهي تسرّع إنشاء خط أنابيب جديد يضاعف قدرتها على التصدير خارج المضيق إلى 3.6 مليون برميل يوميًا بحلول 2027، وتستهدف رفع طاقتها الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يوميًا.

2027: تعافٍ في الكميات وضغط على الأسعار

السيناريو الأساسي لدى المؤسسات الدولية هو التعافي في العام المقبل:

  • تؤجل وكالة الطاقة الدولية تعافي إنتاج الخليج إلى 2027، وتتوقع ارتفاع الإنتاج العالمي حينها بنحو 8 ملايين برميل يوميًا.
  • تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع برنت إلى متوسط 77 دولارًا بحلول الربع الثاني من 2027.

وفي تقدير وائل راشد، يحمل هذا التعافي مفارقة معاكسة لمفارقة 2026. عودة البراميل ستضغط على الأسعار، والرابح لن يكون صاحب أعلى سعر، بل صاحب القدرة الأكبر على الضخ والتصدير بسرعة. أما قفزات النمو المتوقعة في الاقتصادات الأشد تضررًا، فستعكس في جزء كبير منها أثر المقارنة مع سنة انكماش، ولا تعني بالضرورة تعافيًا مماثلًا في الإيرادات.

ما الذي يجب مراقبته؟

  • المسار الدبلوماسي: صرّح مسؤول إيراني رفيع لرويترز في 22 سبتمبر بأن بلاده قادرة على إعادة فتح المضيق خلال أيام إذا رفعت واشنطن حصارها عن الموانئ الإيرانية. يأتي ذلك تزامنًا مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
  • حركة الملاحة: سجّلت تدفقات النفط والغاز المسال عبر هرمز أعلى مستوى لها منذ ستة أشهر.
  • المخزونات العالمية: تراجعت بنحو 507 ملايين برميل منذ بداية الحرب، ما يعني أن هامش الأمان في السوق يضيق.
  • تقرير آفاق الاقتصاد العالمي: يصدر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر، وسيحدّث تقديرات النمو الخليجية.

الخلاصة

ويخلص وائل راشد إلى أن ما يشهده الخليج اليوم ليس أزمة أسعار، بل أزمة مسارات. المستثمر الذي يكتفي بمتابعة قرارات أوبك+ يرى نصف الصورة فقط، أما حركة الناقلات في هرمز فهي المؤشر القيادي الحقيقي للأشهر المقبلة. وعندما تعود الملاحة، سيتحول السؤال من «كم سعر البرميل؟» إلى «من يستطيع ضخ المزيد بسرعة؟»، وهنا سيُعاد ترتيب الرابحين في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *