بقلم: وائل راشد
عندما ننظر إلى الاقتصاد العالمي اليوم، نجد أنفسنا أمام مرحلة انتقالية قد تكون الأهم منذ الثورة الصناعية. فالعالم لم يعد يتغير بوتيرة تدريجية، بل يشهد تحولات متسارعة تقودها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتغيرات الديموغرافية والجيوسياسية. والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف سيبدو الاقتصاد العالمي في عام 2035؟
من وجهة نظري، لن يكون اقتصاد عام 2035 مجرد امتداد لما نراه اليوم، بل سيكون اقتصاداً مختلفاً في قواعده ومراكزه وأدواته. وستكون القدرة على التكيف مع هذه التحولات أهم من حجم الموارد التقليدية التي تمتلكها الدول أو الشركات.
أول هذه التحولات يتمثل في الذكاء الاصطناعي. فخلال العقد القادم لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة، بل سيصبح بنية تحتية اقتصادية أساسية تشبه أهمية الكهرباء والإنترنت في العقود السابقة. وستعتمد الشركات على أنظمة ذكية لإدارة العمليات والإنتاج والخدمات واتخاذ القرارات، ما سيؤدي إلى ارتفاع الإنتاجية وتقليل التكاليف في العديد من القطاعات.
لقد أشار عدد من الدراسات الاقتصادية الدولية إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على تحسين الإنتاجية الاقتصادية بشكل ملحوظ إذا تم دمجه بصورة فعالة داخل المؤسسات. وهذا يعني أن الدول التي تستثمر مبكراً في التكنولوجيا والتعليم الرقمي ستكون الأكثر استفادة من هذه الثورة الجديدة.
لكن في المقابل، سيؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل سوق العمل. وكما أرى، فإن الوظائف لن تختفي بالكامل، بل ستتغير طبيعتها. ستزداد الحاجة إلى المهارات التحليلية والإبداعية والتكنولوجية، بينما ستتراجع أهمية بعض الوظائف الروتينية القابلة للأتمتة. لذلك فإن الاستثمار في التعليم وإعادة تأهيل الكفاءات البشرية سيكون أحد أهم عوامل النجاح الاقتصادي خلال العقد المقبل.
أما التحول الثاني فسيكون في قطاع الطاقة. فعلى الرغم من استمرار النفط والغاز في لعب دور مهم في الاقتصاد العالمي، فإن السنوات القادمة ستشهد توسعاً أكبر في مصادر الطاقة المتجددة، مدفوعة بالاستثمارات الضخمة في مشاريع التحول الطاقي وخفض الانبعاثات.
وفي تقديري، لن تكون المنافسة في المستقبل بين الدول المنتجة للطاقة فقط، بل بين الدول القادرة على إنتاج الطاقة بكفاءة واستدامة. كما أن المعادن الاستراتيجية المستخدمة في البطاريات والتقنيات النظيفة ستتحول إلى عناصر ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.
التحول الثالث يتعلق بمراكز القوة الاقتصادية العالمية. فمن المرجح أن يستمر النمو الاقتصادي في آسيا بوتيرة تفوق العديد من المناطق الأخرى، مع استمرار صعود الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا كمحركات رئيسية للنمو العالمي. وفي الوقت نفسه، تعمل دول الخليج العربي على بناء نماذج اقتصادية جديدة تعتمد على التكنولوجيا والاستثمار والسياحة والخدمات المالية، وهو ما قد يمنح المنطقة دوراً أكبر في الاقتصاد الدولي بحلول عام 2035.
وفي هذا السياق، أعتقد أن الشرق الأوسط يمتلك فرصة تاريخية للتحول من منطقة تعتمد على الموارد الطبيعية إلى مركز عالمي للاستثمار والابتكار والتقنيات الحديثة، خاصة مع الخطط الطموحة التي تشهدها العديد من الاقتصادات الخليجية.
كذلك ستؤثر التغيرات الديموغرافية بصورة كبيرة على الاقتصاد العالمي. فمع انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط الأعمار في العديد من الاقتصادات المتقدمة، ستواجه الحكومات تحديات تتعلق بالعمالة والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. وفي المقابل، ستستفيد الدول التي تمتلك شريحة شبابية واسعة وقادرة على اكتساب المهارات المستقبلية من فرص نمو أكبر.
ومن القضايا التي أرى أنها ستكتسب أهمية متزايدة بحلول عام 2035 قضية الأمن الاقتصادي. فالأحداث التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية أظهرت هشاشة بعض سلاسل الإمداد العالمية، ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها الصناعية والتجارية. ولذلك قد نشهد مزيداً من التوجه نحو تنويع مصادر الإنتاج وتقليل الاعتماد على مناطق جغرافية محددة.
وعندما أتحدث عن اقتصاد 2035، فإنني لا أتحدث فقط عن أرقام النمو والناتج المحلي، بل عن اقتصاد أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا والبيانات والابتكار. وستكون الشركات الأكثر قيمة في العالم هي تلك القادرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات وحلول اقتصادية قابلة للتوسع عالمياً.
وفي الختام، أرى أن العقد القادم لن يشهد مجرد تطور اقتصادي، بل إعادة رسم للخريطة الاقتصادية العالمية. فالذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتحولات الديموغرافية والجغرافيا الاقتصادية الجديدة ستشكل ملامح العالم القادم. والسؤال الحقيقي ليس من سيكون الأقوى في عام 2035، بل من سيبدأ اليوم في الاستعداد لذلك المستقبل.
وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من التحولات الحالية، فهو أن المستقبل لن ينتظر المترددين، بل سيكافئ أولئك الذين يستثمرون في المعرفة والابتكار والإنسان.






