وائل راشد
مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي في إيفست
في أواخر التسعينيات، كان مجرد إضافة كلمة “.com” إلى اسم أي شركة كافيًا لدفع سهمها إلى مستويات خيالية. المستثمرون حينها لم يكونوا يشترون الأرباح… بل يشترون “الحلم”. ويرى وائل راشد، مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي في إيفست، أن التشابه بين تلك المرحلة وما تشهده الأسواق اليوم يستحق قراءة متأنية لفهم ما إذا كانت الأسواق تعيد إنتاج أنماط تاريخية سبق أن شهدتها من قبل.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين، يبدو أن الأسواق تعيش نسخة أكثر تطورًا من المشهد ذاته، لكن هذه المرة تحت عنوان مختلف: الذكاء الاصطناعي.
منذ إطلاق تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، شهدت أسواق التكنولوجيا موجة صعود ضخمة، قادتها شركات مثل NVIDIA وMicrosoft وMeta وAmazon، لتتحول أسهم التكنولوجيا مجددًا إلى مركز الثقل الحقيقي داخل الأسواق العالمية، تمامًا كما حدث خلال فقاعة الإنترنت بين عامي 1995 و2000.
ويشير راشد إلى أن السؤال الأهم اليوم ليس: “هل الذكاء الاصطناعي سيغير العالم؟” بل: “هل الأسواق تبالغ في تسعير هذا المستقبل قبل حدوثه فعليًا؟”
ما الذي حدث خلال فقاعة الدوت كوم؟
بين عامي 1995 و2000، ارتفع مؤشر NASDAQ Composite بأكثر من 400%، مدفوعًا بحماس غير مسبوق تجاه الإنترنت والشركات الرقمية الناشئة.
في ذلك الوقت:
- شركات بلا أرباح كانت تصل لتقييمات بمليارات الدولارات.
- المستثمرون تجاهلوا الأساسيات المالية.
- رأس المال كان يتدفق إلى أي شركة مرتبطة بالتكنولوجيا.
- السوق كان يؤمن أن “الإنترنت سيغير كل شيء”.
والمفارقة؟
الأسواق لم تكن مخطئة بالكامل.
الإنترنت فعلًا غيّر العالم، لكن المشكلة كانت أن الأسعار سبقت الواقع بسنوات طويلة. وعندما بدأت الأرباح الحقيقية بالتأخر، انفجرت الفقاعة في عام 2000، وخسر ناسداك نحو 78% من قيمته خلال أقل من ثلاث سنوات.
ويؤكد وائل راشد أن هذه النقطة تمثل أحد أهم الدروس التي يجب أن يستوعبها المستثمرون اليوم.
لماذا تبدو المرحلة الحالية مشابهة؟
اليوم، يتكرر المشهد نفسه لكن بصورة أكثر تعقيدًا.
الأسواق تؤمن أن الذكاء الاصطناعي سيكون الثورة الاقتصادية الأكبر منذ الإنترنت، وربما منذ الثورة الصناعية نفسها.
هذا الإيمان دفع المستثمرين إلى ضخ تريليونات الدولارات في شركات مرتبطة بالبنية التحتية للـAI، وعلى رأسها إنفيديا.
القيمة السوقية لـ NVIDIA وحدها تجاوزت عدة تريليونات دولار، وأصبحت الشركة من أكثر الأسهم تأثيرًا على حركة ناسداك وS&P 500 بالكامل.
لكن التشابه مع فقاعة الدوت كوم لا يتوقف هنا.
أوجه التشابه بين الفقاعتين
- الإيمان بثورة ستغير العالم
- التقييمات المرتفعة جدًا
- تركّز السيولة في عدد محدود من الشركات
- الخوف من تفويت الفرصة
لكن… هناك اختلافات جوهرية أيضًا.
في عام 2000، كثير من الشركات لم تكن تملك نموذج أعمال واضحًا أو أرباحًا حقيقية.
أما اليوم، فإن الشركات التي تقود طفرة الذكاء الاصطناعي تحقق بالفعل:
- أرباحًا ضخمة
- تدفقات نقدية قوية
- هيمنة عالمية
- ونماذج أعمال مستقرة
ويعتقد وائل راشد أن هذا الاختلاف الجوهري يجعل المقارنة مع فقاعة الدوت كوم غير مكتملة.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية:
قد لا يكون الذكاء الاصطناعي فقاعة وهمية… لكن هذا لا يمنع احتمال وجود “مبالغة مالية” في التسعير الحالي.
هل نحن أمام فقاعة فعلًا؟
التاريخ يعلمنا أن كل ثورة تكنولوجية كبرى تمر بثلاث مراحل:
- الحماس المفرط
- التصحيح العنيف
- النضج الحقيقي
الذكاء الاصطناعي قد يكون الثورة الاقتصادية القادمة فعلًا، لكن الأسواق غالبًا لا تنتظر النتائج النهائية… بل تسعر المستقبل مسبقًا وبشكل مبالغ فيه أحيانًا.
ويختتم راشد بالقول إن المستثمرين لا ينبغي أن يخلطوا بين قوة التكنولوجيا نفسها وبين السعر الذي يدفعونه مقابل الاستثمار فيها.
في الأسواق المالية، ليست كل الفقاعات كاذبة بالكامل…
أحيانًا تكون الفكرة صحيحة، لكن التوقيت والسعر هما المشكلة.







