شركات صناعة السيارات الألمانية تواجه تسريحًا غير مسبوق للعمال مع اشتداد المنافسة من الشركات الصينية في جميع أنحاء أوروبا

شركات صناعة السيارات الألمانية تواجه تسريحًا غير مسبوق للعمال مع اشتداد المنافسة من الشركات الصينية في جميع أنحاء أوروبا

يشهد قطاع صناعة السيارات الألماني تحولًا جذريًا يتمثل في تخفيضات واسعة النطاق في القوى العاملة، مما ينذر بتغيرات هيكلية أعمق في أحد أبرز القطاعات الأوروبية. وتفيد التقارير أن شركة فولكس فاجن، أكبر شركة لصناعة السيارات في أوروبا، تُعدّ خططًا للاستغناء عن ما يصل إلى 100 ألف وظيفة حول العالم خلال السنوات القادمة، بما في ذلك احتمال إغلاق أربعة مصانع في ألمانيا. ومن شأن هذه الخطوة أن تُضاعف تقريبًا أهداف خفض التكاليف السابقة، وتُمثل واحدة من أهم عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ الشركة الحديث.

ويأتي هذا الإعلان، الذي وردت تفاصيله في تقارير حديثة، في وقت تُعاني فيه المجموعة من انخفاض الربحية، وتباطؤ الطلب على السيارات الكهربائية في الأسواق الرئيسية، والمنافسة الشرسة من الشركات المصنعة الصينية. وتوظف فولكس فاجن أكثر من 650 ألف شخص حول العالم عبر علاماتها التجارية، بما في ذلك أودي وسكودا وسيات. قدّم الرئيس التنفيذي أوليفر بلوم الخطة للإدارة ومجلس الإشراف، بهدف استعادة القدرة التنافسية في ظل انخفاض الأرباح وتراجع الحصة السوقية.

بالنسبة للعاملين في فولفسبورغ وغيرها من معاقل التصنيع التقليدية، كان لهذا الخبر وقعٌ ثقيل. فقد اعتمدت هذه المجتمعات لفترة طويلة على وظائف مستقرة وذات رواتب مجزية مرتبطة بقطاع السيارات. وقد عارض ممثلو النقابات، بما في ذلك نقابة IG Metall ومجلس عمال فولكس فاجن العام، هذه الإجراءات بشدة، مؤكدين أنهم سيقاومونها “بكل ما أوتوا من قوة”. يُبرز هذا التوتر التكلفة البشرية لصناعة تشهد تحولات جذرية: عائلات تواجه حالة من عدم اليقين، ومناطق تواجه تداعيات اقتصادية محتملة، وقوى عاملة ماهرة تتساءل عن مكانة خبراتها في بيئة سريعة التطور.

أما العامل المحفز فهو واضح. فقد حققت العلامات التجارية الصينية، مثل BYD، تقدماً ملحوظاً في السوق الأوروبية، متجاوزة حصتها 10% في بعض القطاعات. وهي تُقدم سيارات كهربائية وهجينة بأسعار جذابة تُناسب المشترين المهتمين بالتكلفة، مع تسريع وتيرة الابتكار في تكنولوجيا البطاريات وميزات البرمجيات. شهدت صادرات السيارات الصينية إلى أوروبا ارتفاعًا ملحوظًا رغم الرسوم الجمركية التي فرضها الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، لا سيما السيارات الهجينة التي حققت نموًا قويًا. وقد أدى هذا التدفق إلى زعزعة هيمنة الهندسة الألمانية التقليدية، التي ازدهرت سابقًا بفضل مكانتها المتميزة وموثوقيتها العالية.

ولا تُعدّ فولكس فاجن استثناءً، إذ تُقلّص شركات ألمانية عملاقة أخرى ومورديها أعداد موظفيها في ظل ضغوط مماثلة. فقد أعلنت أودي عن خطط لخفض حوالي 7500 وظيفة في ألمانيا بحلول عام 2029. كما أعلن موردون مثل بوش وزد إف فريدريشهافن عن آلاف عمليات التسريح، حيث تستهدف بوش 13000 وظيفة في قسم التنقل، وزد إف حوالي 7600 وظيفة في قسم أنظمة الدفع الكهربائية. وتشير تقديرات أوسع إلى أن صناعة السيارات الألمانية قد تشهد عشرات الآلاف من حالات التسريح الإضافية بحلول نهاية العقد، مع بعض التحليلات التي تُشير إلى تأثر أكثر من 100000 وظيفة في مختلف الشركات المصنعة وموردي قطع الغيار في السنوات الأخيرة.

وتُفسّر عدة عوامل مترابطة هذا الضغط، إذ أثبت التحول إلى السيارات الكهربائية أنه أكثر صعوبة مما كان متوقعًا. استثمرت الشركات المصنعة الأوروبية بكثافة في السيارات الكهربائية، لكن إقبال المستهلكين عليها كان بطيئًا بسبب مخاوف نفاد شحنها، ونقص البنية التحتية للشحن، وارتفاع التكاليف الأولية. في الوقت نفسه، تراجع الطلب في الصين -أكبر سوق للسيارات في العالم- على العلامات التجارية الأجنبية مع ازدياد حصة المنتجين المحليين. وشهدت الصادرات الألمانية إلى الصين، التي كانت تُشكل مصدرًا رئيسيًا للأرباح، انخفاضًا حادًا في بعض الحالات.

وتزيد تكاليف العمالة والطاقة المرتفعة في أوروبا، إلى جانب لوائح الانبعاثات الصارمة، من الأعباء. ورغم أن تركيز الاتحاد الأوروبي على خفض الانبعاثات الكربونية يدفع نحو تسريع التحول إلى السيارات الكهربائية، إلا أن ربحية السيارات الكهربائية لا تزال أقل بالنسبة لشركات صناعة السيارات التقليدية مقارنةً بنماذج محركات الاحتراق الداخلي. ويواجه الموردون الذين يعتمدون على المكونات التقليدية انخفاضًا في الطلبات مع تحول الصناعة.

وقد استجاب صناع السياسات الأوروبيون بتدابير مثل فرض تعريفات جمركية تعويضية على السيارات الكهربائية الصينية، تتراوح بين رسوم إضافية على مصنعين محددين. وتهدف هذه التدابير إلى تحقيق تكافؤ الفرص في مواجهة ما يعتبره الكثيرون منافسة مدعومة. ومع ذلك، كانت النتائج متفاوتة؛ فقد تكيفت الشركات الصينية من خلال التركيز على السيارات الهجينة وتعديل سلاسل التوريد. تتواصل الدعوات إلى تقديم حوافز أكبر للإنتاج المحلي ودعم القاعدة الصناعية الأوسع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *