نلقي نظرة على متحف الموت

Museum Of Death In Egypt

يردِّد علماء الآثار في كل جامعات العالم في قاعات الدرس لطلابهم عبارة يجمعون عليها هي (أنفق المصري القديم الكثير من الوقت والجهد والمال للإعداد للموت وتجهيز مقبرته) وآثار مصر التي يقبل عليها السياح من كل أنحاء العالم ما هي إلا مقابر فالأهرام في الجيزة وسقارة ودهشور مقابر، ووادي الملوك ووادي الملكات في الأقصر مقابر شيَّدها المصري القديم، وفي العصور الإسلاميَّة مقابر المماليك في القرافة وأشهرها مدرسة السلطان قايتباي ماهي إلا مقبرة للسلطان، الآن مصر تزيل حقب كاملة من تاريخها بإزالة مئات المقابر التي هي حلقة في تاريخ تطور عمارة المقابر منذ عصور ما قبل التاريخ إلى الآن، لم تكن المقابر في مصر مكانًا لدفن الموتى بقدر ما هي تعبير عن الرغبة في حياة أبديَّة سعيدة في العالم الآخر، لذا صار للموت قدسيَّة وحرمة في مخيّلة المصريين، لذا صار للموت فلسفة في حياة المصريين، وحين تقوم بإزالة مقابرهم فأنت بذلك تجرح هذه المخيّلة وتتعرّض للسخط بالدعاء عليك منهم، القضيَّة هنا أيضا ترتبط بأن المشاهير والأعلام من المصريين دفنوا في القرافة القاهريَّة منذ الفتح العربي إلى الآن، فورش وهو صاحب القراءة القرآنيَّة الشهيرة في العالم مدفون في القرافة، ومن المدهش أن العديد من مقابر مشاهير المصريين صارت تطلب زيارتهامنذ عصور قديمة، حتى ألفت مؤلفات في الإرشاد السياحي لزيارة المشاهير من الأولياء والمشاهير فالكندي والقضاعي وغيرهم ألفوا كتبًا في الزيارة وإرشاد الزائرين لمقابر هؤلاء، ولنذهب معا إلى السيدة نفيسة التي دفن إلى جوارها: أمير الشعراء أحمد شوقي، ومدفنه تحفة فنيَّة ازدان بخطوط اثنين من مشاهير الخطاطين في العالم الإسلامي هما يوسف أحمد وسيد ابراهيم، وبالقرب منه قبر حافظ ابراهيم الذي شيِّد بطريقة معماريَّة فريدة حيث تعلوه قبة ترتكز على أربع داعامات دون جدران وهو ذات تصميم قبر حافظ شيرازي الشاعر الإيراني الشهير المدفون في شيراز وقد حولت إيران قبره إلى مزار سياحي، وعلى بعد خطوات منهما قبر الشيخ أحمد رفعت أشهر من قرأ القرآن الكريم في القرن 20، بل القضيَّة التراثيَّة هنا أعمق من ذلك فقد تبارى المعماريون المصريون في تصميم المدافن وقبابها حتى رأينا استعادة وإحياء للعمارة الاسلاميَّة بروح جديدة، بل الدهشة من تصميم معماري لمدفن في السيدة نفيسة على طراز المعابد الفرعونيَّة.

السؤال المحيِّر هنا أمام كل مصري: هل تتحوَّل المقابر إلى عائق أمام أي جهود عمرانيَّة أو تنمويَّة؟ ليطرح عليك سؤالًا آخر: هل إزالة المقابر حرام في حين إن الرسول صلي الله عليه وسلم حين نزل المدينة المنورة أزال مقابر كانت في موقع مسجده؟

ليطرح عليك سؤالًا : هل نحن نزيل المقابر التي هي جزء هام يؤرخ لمصر ونفقد للأبد تراثًا مصريًّا؟ ليطرح عليك سؤالًا : هل نحن عاجزين عن توظيف مقابر العظماء في ترسيخ الهويَّة الوطنيَّة وفي جذب المزيد من السياحة لمصر؟

الحقيقة إنَّ مثل هذه القرارات المتعلِّقة بالموتى تحتاج إلى وضوح وإلى إظهار الغاية من ذلك لأنَّ القرار إذا لم يكن له مبرر أو بديل قوي فسيكون محل سخط عام، فمن الصعوبة على مصري أن يعيد دفن أحبائه الابن حين يعيد دفن أبيه أو أمه أمر صعب للغاية على النفس، الأب من الصعوبة عليه إعادة دفن ابنه أو ابنته المتوفاه في ريعان شبابها، أعرف أن هذا طرح صعب على من يقرأ هذا المقال لكنها الحقيقة المرة التي لا يعيها سوى من مر بهذه التجريَّة المريرة، فلذا حين لا نشرح للناس ونقنعهم بأنه لا يوجد بديل آخر، هذا التجاهل في الإيضاح يترك في نفوس الناس جروح نافذة من الصعب علاجها.

الأمر الآخر سيسجل التاريخ لمن اتخذ هذا القرار بإزالة مدافن هي جزء من سيرة الوطن وتاريخه وتراثه الفني والمعماري، أنه دمَّر تراث وتاريخ الوطن، هذا في حد ذاته يتطلَّب مراجعة هذا بعمق وبتفكير ودراسات اجتماعيَّة وانثربولوجيَّة واقتصاديَّة حتى يكون الأمر في إطار يمكن تقبّله الآن، وتقبله من الأجيال القادمة التي ستذكر أنَّ من سبقوهم دمَّروا تاريخ الوطن.

إنَّ الطرح الايجابي يتطلَّب تأجيل قرارات الإزالة وتشكيل لجنة تتَّخذ قرارات في هذا الشأن يكون أعضاؤها من خبراء وطنيين في التراث والتخطيط  العمراني لمراجعة كل هذا الملف، واقتراحي أن تنشئ مصر متحفًا للموت في ذات المنطقة، يتم جمع ما التراث الذي يمكن نقله لهذا المتحف الفريد من نوعه على مستوى العالم، ثمَّ تجنُّب إزالة مدافن لها قيمة معماريَّة وفنيَّة فريدة وتحويل المناطق حولها لحدائق وهو ما كانت عليه قديما حيث كانت تضم متنزهات كانت جاذبة للمصريين، وأنا هنا أتحدَّث مثلا عن مدفن أمير الشعراء أحمد شوقي وضريح الشاعر حافظ ابراهيم علي سبيل المثال لا الحصر، وهو ما انتقل لأوروبا من تراثنا فلندن المدافن بها حدائق تجذب مئات الزائرين، بل إن الكثيرين لا يعرفون أن قبة الامام السيوطي المجاروة لميدان السيدة عائشة يزورها مئات الزوار من خارج مصر ولقرون هي مزار سياحي لكل من يأتي إلى مصر، فما المانع أن نرممها وأن نقيم إلى جوراها متحفا لمخطوطات وحياة السيوطي أليس هذا متحفا جاذبا للآلاف من الدول الإسلاميَّة لزيارة ضريح السيوطي أشهر علماء الاسلام، إنَّ ما لا يعرفه الكثيرون أنَّ مناطق القرافة في مصر من مصر القديمة إلى العباسيَّة إلى جوار سفح المقطم لو في بلد آخر لصارت منطقة حفائر أثريَّة ستقدِّم لنا الكثير من المعلومات المفقودة من تاريخنا وتكشف عن تراث مفقود، فمثلًا مدينة العسكر التي كانت عاصمة مصر في العصر العباسي تقع أسفل مقابر السيدة نفيسة، بل إن مسجد السيدة نفيسة بنى فوق المسجد الجامع لمدينة العسكر، وبالتالي ستجد حول هذه المنطقة تلال أثريَّة أقربها التلال التي بنيت عليها منطقة زينهم، إنَّ هذا المقال هو دعوة للمراجعة والتفكير بل ودعوة، لأن نفكِّر سويًّا لمصلحة مصر وتراثها ومستقبلها.

مصدر : التنويري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *