انتخابات الكونغرس تعيد رسم المشهد في واشنطن… هل تكرر وول ستريت سيناريو 2018؟

انتخابات الكونغرس تعيد رسم المشهد في واشنطن… هل تكرر وول ستريت سيناريو 2018؟

بقلم: وائل راشد | مدير تطوير الأعمال والمتحدث الرسمي لدى Evest

في تحليل وائل راشد للمشهد الانتخابي، لم تكن نتائج انتخابات الكونغرس الأميركي في الثالث من نوفمبر مجرد تحول في موازين القوى السياسية، بل فتحت مرحلة جديدة من إعادة تقييم المخاطر في الأسواق المالية، مع انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين، ومواجهة إدارة الرئيس دونالد ترامب واقعاً تشريعياً أكثر تعقيداً خلال العامين المتبقيين من ولايته.

وبين توقعات تراجع الإنفاق الحكومي، واحتمالات تشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا، ومستقبل السياسة النقدية، يجد المستثمرون أنفسهم أمام سؤال أساسي: هل يؤدي الانقسام السياسي إلى استقرار الأسواق، أم يفتح الباب أمام موجة جديدة من التقلبات؟

الأسواق تتحرك… والذهب في مقدمة المستفيدين

عكست التداولات الأولى بعد الانتخابات حالة من التردد، إذ تعرضت العقود الآجلة للأسهم الأميركية لضغوط أولية قبل أن تقلص خسائرها وتتحول إلى الارتفاع.

وفي المقابل، تراجع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 4.92%، بينما انخفض الدولار وارتفع الذهب بأكثر من 2% متجاوزاً مستوى 4,000 دولار للأونصة.

ويرى وائل راشد في هذه التحركات مؤشراً على إعادة تسعير المخاطر. وتعكس هذه التحركات إعادة تقييم المستثمرين لاحتمالات تقلص التوسع المالي، إلى جانب تغير توقعات الفائدة والمخاطر المرتبطة بالاقتصاد الأميركي.

فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تحد من قدرة الإدارة على تمرير تخفيضات ضريبية أو برامج إنفاق إضافية، لكنها قد ترفع أيضاً احتمالات المواجهة السياسية بشأن الموازنة وسقف الدين.

ماذا يعلمنا التاريخ؟ تجربة 2018 الأكثر ارتباطاً

في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب، انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، بينما احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم في مجلس الشيوخ.

وكان رد فعل الأسواق إيجابياً في البداية. ففي السابع من نوفمبر، ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 2.12%، وصعد ناسداك بنسبة 2.64%، فيما أضاف داو جونز نحو 545 نقطة، مدعوماً بارتياح المستثمرين لانتهاء حالة عدم اليقين الانتخابي.

لكن المشهد تغير سريعاً. ففي ديسمبر 2018، خسرت المؤشرات الأميركية الرئيسية نحو 9%، وسط تشديد الاحتياطي الفيدرالي للسياسة النقدية وتصاعد التوترات التجارية بين واشنطن وبكين، إلى جانب المخاوف بشأن تباطؤ الاقتصاد العالمي.

ويشير وائل راشد إلى درس مهم من التجربة التاريخية. والدرس هنا بالغ الأهمية: الانقسام السياسي لم يكن سبب انهيار الأسواق، كما أن نتائج الانتخابات لم تكن ضمانة لاستمرار الصعود. بل إن السياسة النقدية والتجارة الدولية وتوقعات النمو كانت أكثر تأثيراً في تحديد الاتجاه اللاحق.

وتقدم انتخابات 2022 مثالاً إضافياً؛ فقد تراجع S&P 500 بنسبة 2.1% في الجلسة التالية للانتخابات، قبل أن يقفز 5.5% بعد يوم واحد، مدفوعاً ببيانات تضخم أميركية جاءت أقل من التوقعات. وهذا يؤكد أن الأسواق قد تتجاوز الحدث السياسي سريعاً عندما تظهر بيانات اقتصادية تغير توقعات المستثمرين.

الذكاء الاصطناعي… تحدٍ جديد لم يكن حاضراً بالحجم نفسه في 2018

ويلفت وائل راشد إلى اختلاف جوهري في الظروف الحالية. تختلف الظروف الحالية عن انتخابات 2018 في نقطة جوهرية، تتمثل في الوزن الكبير لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في المؤشرات الأميركية.

فمع استمرار الإنفاق الضخم على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة، يزداد اهتمام المستثمرين بالعائد الفعلي على تلك الاستثمارات.

وقد تؤدي الأغلبية الديمقراطية إلى زيادة التدقيق التشريعي في قضايا المنافسة والبيانات وتنظيم الذكاء الاصطناعي، وإن كانت قدرة الكونغرس على إقرار تشريعات جديدة ستظل مقيدة بحق النقض الرئاسي والتوازنات السياسية.

لذلك، فإن أي تراجع إضافي في أسهم التكنولوجيا قد يعكس تداخل المخاطر التنظيمية مع المخاوف بشأن التقييمات المرتفعة، وليس نتيجة الانتخابات وحدها.

ثلاثة مسارات محتملة للأسواق خلال الأيام المقبلة

المسار الأول: تعافٍ تدريجي للأسهم. إذا رأى المستثمرون أن انقسام السلطة سيحد من التوسع المالي دون تعطيل النشاط الاقتصادي، فقد تتحسن شهية المخاطرة وتستفيد الأسهم من تراجع العوائد، خصوصاً إذا جاءت البيانات الاقتصادية داعمة لتوقعات خفض الفائدة.

المسار الثاني: استمرار الضغوط على التكنولوجيا. إذا تصاعدت المخاوف التنظيمية أو استمرت الشكوك حول أرباح الذكاء الاصطناعي، فقد تواجه أسهم النمو موجة جديدة من إعادة التقييم، بما يضغط على ناسداك ومؤشرات الأسهم العالمية.

المسار الثالث: ارتفاع الطلب على الأصول الدفاعية. إذا تزامنت الخلافات السياسية مع بيانات اقتصادية ضعيفة أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية، فقد يستفيد الذهب والسندات الحكومية من زيادة الطلب على التحوط، بينما يتحدد اتجاه الدولار وفقاً لتوقعات الفائدة والطلب العالمي على السيولة.

الفائدة والتوظيف… الاختبار التالي لوول ستريت

تأتي نتائج الانتخابات قبل صدور بيانات الوظائف الأميركية يوم الجمعة، وهي بيانات قد تؤثر مباشرة في توقعات الاحتياطي الفيدرالي.

فالتوظيف القوي قد يدعم الثقة بالنمو، لكنه قد يقلص فرص خفض الفائدة، بينما يمكن لتباطؤ معتدل أن يدعم الأسهم إذا خفف الضغوط على السياسة النقدية. أما الضعف الحاد فقد يثير مخاوف الركود ويضغط على أرباح الشركات.

ويؤكد وائل راشد أهمية النظر إلى المؤشرات الاقتصادية إلى جانب السياسة. ومن هنا، فإن العلاقة بين واشنطن ووول ستريت لا تتوقف عند النتائج الانتخابية، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد على الحفاظ على النمو واستقرار الأسعار.

لقد أظهرت تجربة 2018 أن الأسواق قد تحتفل بنتائج الانتخابات قبل أن تعود إلى مواجهة الحقائق الاقتصادية. واليوم، ومع ارتفاع تقييمات التكنولوجيا واستمرار عدم اليقين بشأن الفائدة، قد تكون هذه الرسالة أكثر أهمية.

فصناديق الاقتراع تحدد موازين القوة في واشنطن، لكن أرباح الشركات والتضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي هي التي ستحدد في النهاية اتجاه وول ستريت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *